أحمد بن علي القلقشندي
99
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
سلطانك ، واقتد قلوبهم بزمام إحسانك . وأما القضاة والدّعاة فهم بين كفالتك وهديك ، والتصريف على أمرك ونهيك ؛ فاستعمل منهم من أحسن عملا ، فأمّا بالعنايات فلا . والجهاد فأنت راضع درّه ، وناشئة حجره ؛ وظهور الخيل مواطنك ، وظلال الجبل مساكنك ؛ وفي ظلمات مشاكله ، تجلى محاسنك ، وفي أعقاب نوازله ، تتلى ميامنك ؛ فشمّر له عن ساق من القنا ، وخض فيه بحرا من الظَّبا ( 1 ) ؛ واحلل فيه عقدة كلمات اللَّه سبحانه وثيقات الحبى ( 2 ) ؛ وأسل الوهاد بدماء العدا وارفع برؤوسهم الرّبا ؛ حتّى يأتي اللَّه بالفتح الذي يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخورا لأيّامك ، ومشهودا به يوم مقامك بين يديه من لسان إمامك . والأموال فهي زبدة حلب اللَّطف لا العنف ، وجمّة يمتريها ( 3 ) الرّفق لا العسف ، وما برحت أجدّ ذخائر الدّول للصّفوف ، وأحدّ أسلحتها التي تمضي وقد تنبو السّيوف ؛ فقدّم للبلاد الاستعمار ( 4 ) ، تقدّم لك الاستثمار ، وقطرة من عدل تزخر بها من مال بحار . والرّعايا فهم ودائع اللَّه لأمير المؤمنين وودائعه لديك ، فاقبض عنهم الأيدي وابسط بالعدل فيهم يديك ، وكن بهم رؤوفا ، وعليهم عطوفا ، واجعل الضعيف
--> ( 1 ) الظبا : جمع ظبة وهو حدّ السيف والسنان والخنجر وما أشبهها . ( 2 ) جاء في القاموس : حبا حبوّا كسموّ : دنا . وحبت الأضلاع إلى الصّلب : اتصلت . وحبا المسيل : دنا بعضه من بعض . ولعل المراد : وثيقات الاتصال والارتباط . ( 3 ) الجمّة ، بضم الجيم : معظم الماء أو البئر المملوءة ماء . والجمّة ، بفتح الجيم : مؤنث الجمّ . وجمّة البئر : ما تراجع من مائها بعد الأخذ منه . وامترى الماء : استخرجه ولعلّ المراد هو الجمّة ( بفتح الجيم ) لأنه قرن استخراج مائها بالرفق ، وهو ما ينطبق على الماء القليل . ( 4 ) الاستعمار : عمارة الأرض . واستعمره في المكان : جعله يعمره . وفي التنزيل العزيز : هود / 61 « هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها » . واستعمر الأرض : أمدّها بما يعوزها من الأيدي العاملة .